ابن هشام الأنصاري

224

شرح قطر الندى وبل الصدى

[ قد توجد صورة التنازع ولا يكون منه ، محافظة على المعنى ] وذلك لأن شرط هذا الباب أن يكون العاملان موجّهين إلى شيء واحد كما قدمنا ، ولو وجّه هنا « كفاني » و « أطلب » إلى « قليل » فسد المعنى ، لأن « لو » تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره ، فإذا كان ما بعدها مثبتا كان منفيا ، نحو : « لو جاءني أكرمته » وإذا كان منفيا كان مثبتا ، نحو : « لو لم يسئ لم أعاقبه » وعلى هذا فقوله : « أن ما أسعى لأدنى معيشة » منفي ، لكونه في نفسه مثبتا وقد دخل عليه حرف الامتناع ، وكل شيء امتنع لعلة ثبت نقيضه ، ونقيض السعي لأدنى معيشة عدم السّعي لأدنى معيشة ، وقوله : « ولم أطلب » مثبت ، لكونه منفيا بلم ، وقد دخل عليه حرف الامتناع ، فلو وجّه إلى « قليل » وجب فيه إثبات طلب القليل ، وهو عين ما نفاه أولا ، وإذا بطل ذلك تعين أن يكون مفعول « أطلب » محذوفا ، وتقديره « ولم أطلب الملك » ومقتضى ذلك أنه طالب للملك ، وهو المراد . فإن قيل : إنما يلزم فساد جعله من باب التنازع لعطفك لم أطلب على كفاني ، ولو قدرته مستأنفا كان نفيا محضا غير داخل تحت حكم لو . قلت : إنما يجوز التنازع بشرط أن يكون بين العاملين ارتباط ، وتقدير الاستئناف يزيل الارتباط « 1 » .

--> - وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا ، وما المصدرية مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوب اسم أن « لأدنى » جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أن ، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مرفوع فاعل لفعل محذوف ، وتقدير الكلام : لو ثبت كون سعيي لأدنى - إلخ ؛ وأدنى مضاف و « معيشة » مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة « كفاني » فعل ماض ، والنون للوقاية ، والياء ضمير المتكلم مفعول به « ولم » الواو عاطفة ، لم : حرف نفي وجزم وقلب « أطلب » فعل مضارع مجزوم بلم ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا « قليل » فاعل كفاني « من المال » جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لقليل . الشاهد فيه : قوله : كفاني ولم أطلب قليل ، فإنه قد تقدم عاملان ، وهما قوله كفاني ، وقوله أطلب ، وتأخّر معمول ، وهو قوله قليل ، وذلك مما يتصور معه المبتدئون أنه من باب التنازع ، ولكنه ليس منه ؛ لأن من شرط التنازع صحة توجه كل واحد من العاملين إلى المعمول المتأخر مع بقاء المعنى صحيحا ، والأمر ههنا ليس كذلك ؛ وقد أوضحه الشارح العلامة إيضاحا بديعا كاملا ؛ فلا حاجة إلى الإطالة في بيانه ، واللّه سبحانه أعلى وأعلم . ( 1 ) ومما يتصور المبتدئون أنه من باب التنازع مع أنه ليس منه قولك « ما قام وقعد إلا زيد » فإنك لو أضمرت في الأول لكان التقدير : ما قام هو ( أي زيد ) وما قعد إلا زيد ، فيكون القيام منفيا عنه بالجملة الأولى والقعود ثابتا له على طريق الحصر بالجملة الثانية ، ولا شك أن المعنى المقصود ليس هو ذلك ، ولو أضمرت في الثاني انعكس ، وليس مرادا أيضا .